القاضي التنوخي
182
الفرج بعد الشدة
فإذا صار الجمل وحمله مع ما فيه من المال عندي ، فالمال لك . فكتبنا كتابا بذلك ، وأشهدنا عليه ، وأعطيتهم دابّتي ورحلي ، ثم أخذت سيفا ، وجحفة ، وشمعة مشتعلة ، ورمت النزول إلى الوادي . فرأيت منزلا غرّني ، فاستعجلت سلوكه ، فنزلت ساعة ، حتى صرت على جانب من الوادي مشجّر ، فإذا فيه أثر الرعاة والغنم ، ثم لم أجد طريقا إلى أسفل ، وكان سبيلي أن أرجع ، وأرتاد النزول من جهة أخرى . فحملني ضيق الوقت ، والحرص على الدنانير ، أن جعلت أتوغّل ، وأنتقل من شجرة إلى شجرة ، ومن حجر إلى حجر ، حتى حصلت في جنب الوادي على صخرة ملساء بارزة كالرفّ ، ليس لها إلى أسفل طريق البتّة . فاطّلعت بالشمعة ، فإذا بيني وبين القرار عشرون ذراعا ، وفي أسفل الوادي برديّ « 3 » كثيف يجري بينه الماء ، وله خرير شديد . فأجمعت على أن ألقي نفسي ، فأطفأت الشمعة ، وشددتها بحمائل السيف مع الجحفة ، وألقيت ذلك في موضع علّمته عن يميني ، ثم جمعت نفسي فوثبت [ 58 ن ] في وسط البرديّ . فوقعت على شيء ثار من تحتي ونفضني ، وصاح صيحة عظيمة ملأ بها الوادي ، وإذا هو أسد ، فشقّ البرديّ وسعى هاربا ، فوقف بإزائي من جانب الوادي الآخر . فطلبت سيفي وجحفتي حتى أخذتهما ، ووقفت أنتظر أن يمضي الأسد فأطلب الجمل ، فأقبل يريدني . فمشيت بين يديه في البرديّ ، وهو في أثري يخوض الماء ، ويشقّ البرديّ ، وأنا أخاتله من موضع إلى موضع .
--> ( 3 ) البردي : نبات مائي كالقصب ، كان القدماء يكتبون على قشره ، وقد أبقى لنا التاريخ عددا من هذه الأوراق ، بعد آلاف السنين ، ممّا يدل على متانتها ، وفي العراق يستخرج من البردي مادة صفراء ، فيها حلاوة ، يسمّونها : الخرّيط ، يأكلها الأطفال .